ست العجم بنت النفيس البغدادية

394

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

فهو المتكلم في حال كونه مسمى والمخالف في حال كونه متصفا والخلاف هاهنا بمنزلة المكر ، وقد قال تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ آل عمران : 54 ] ، وحقيقة مكره هي عين مكرهم ، فكأنه قال : أفي يقع خلاف ؟ وأنا الناطق بالخلاف . وقوله : ( أإلي يقدر ) ، يشير إلى عدم قدرة التقدير من هؤلاء المختلفين ، فإن نفس الاختلاف ينفي القدرة ولولا نفيها لما سموا هؤلاء مختلفين ، لأن القدرة عبارة عن شيء من نفوذ الحكم ، وهو إقامة الحجة والإتيان بالدليل ، لأن حجة اللّه على العباد لا تقوم إلا بتذكير آخذ العهد ، والاستنطاق والإجابة ببلى ، وهناك يرتفع ويستودع الحكم في حقيقة اسم الرب ، وهذا الحكم نشأ عن التقدير ، وهو قوله تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 23 ] ، وهو لا يقدر عليه كما قال : أي لا يقضي عليه . وقوله : ( هيهات لما خيلوا ، وتبّت أيديهم ) ، بمقدار ما حكم في قطر من أقطار الأرض وأخذ في الاستعلاء فسدت المخيلة التي في رأسه وأسندت إلى الجهة التي أخذ فيها فنظر بهذه الفاسدة أنه مستو على العباد استواء الرب على المربوبين ، وقد أشير إلى ذلك بقوله تعالى : وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] من إله غيري ، فتبت يداه بما قال . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : يا عبدي إذا دخل المتناظرون في هذا السرادق ، فانظر فريقك فسر معهم ، فإن نجوا نجوت ، وإن هلكوا هلكت ) ] . ( ش ) أقول : يشير بهذا الخطاب إلى استعداد السرادق للمختلفين ، فهم أرباب المناظرة وهي الجدل والاختلاف ، فإنه لما قال له هذا سرادق لك أفيّ يقع الخلاف أشار بقوله لك إلى أنه للمختلفين في ذاته من ذاته ، ثم إن المختلفين ظهروا من حين نظر اللّه تعالى بإضافة السرادق إليه من ذاته وهموا بالدخول فيه إذ هو معد لهم ، فأمر بمصاحبة صفاته وموافقته لهم في الدخول ، وهذه الموافقة تكون للمستعلين بالجدل ، فهو لا يصاحب إلا ظاهر الحجة ، وأيضا فإنه من حيث هو صورة فهو من أرباب العقول القائمين بالحجة ، والقائمون بالحجة هاهنا هم أصحاب الفرق ، وهذا الشاهد من حين اتصافه بالجمعية أعطي الفرق ففريقه من المتناظرين هو رب الفرق الظاهر بالحجة . وقوله : ( فإن نجوا نجوت ، وإن هلكوا هلكت ) ، يشير به إلى أن المآل للرحمة على رأي العارفين ولو بعد حين ، وهو النسيان الذي أشار إليه في كتاب الفتوحات هذا في حقيقة الأمر ، وأما في الظاهر فإن الكافر هو رب الجدل وهو الناطق بقدم العالم ومن